المدرسة التي تسكنني
صورة أرشيفية: تعود بالذاكرة للشاطئ الذي كنا نمارس فيه التربية البدنية في المدرسة، في أيام مختارة. إمارة الفجيرة
المدرسة التي تسكنني
أعود بذاكرتي، في هذه الأيام، إلى مدرسةٍ ارتدتُها طفلة، في كنف تلك الإمارة الدافئة، الفجيرة. ارتدتُ مدرسةٌ تتوسط مجتمع حميم، يشبه الزمن التي أُسست فيه، مرحلة الثمانينيات والتسعينيات، بسيطة في روحها، لكن منهجها مستورد، فصولها كبائن خشبية، ومرصوصة حول أفنية و مساحات مترابطة. لم يكن في ذلك المشهد ما يُبهر العين، لكن يشعرك أنك في بيتك وبين أسرتك، وضمن تلك البيئة كانت هناك ذكريات حية لم تُفلتها ذاكرتي يومًا.
كانت حصصنا تتسم بالعفوية في كثير من الأحيان فنجد أنفسنا خرجنا للوادي وقت حصة الجغرافيا، ونعبر الشارع باتجاه الشاطئ لممارسة التربية البدنية، و نقف في طابور الصباح في الباحة تحت شجرةٍ عريقةٍ تظللنا جميعا بأفرعها الممتدة. لم يكن المنهج الذي تلقيته نابع من بيئتنا، لكنّ المدرسة وجدت طريقًا لتسدد و تقارب. ولم أفهم اللغز الذي زرعته تلك المدرسة الصغيرة في داخلي إلا بعد سنوات طويلة. علّمتني مدرستي شيئين في آنٍ واحد، وقد احتجتُ لسنوات حتى أميّز بينهما وأفهم الهوّة التي تفصل أحدهما عن الآخر
كانت المدرسة قادرة على تجذير التعليم في المكان، لكنها لم تكن قادرة على تجذير المعرفة ذاتها، لأن المعرفة كانت تأتي من مكان آخر. بذلك أقصد، أسماء نباتاتنا التي لا يعرفها القاموس الأجنبي، ومنطق منظومات مياهنا التي هندسها أجدادنا قبل أن تُعَرّفها الهندسة بإسمًا أكاديميًا، والقصص التي تسكن تضاريس أرضنا وتُشفر فيها حكمة الأجداد. أتحدث عن المعرفة التي كانت في قلب الجدة، وعيني الصياد، وصبر المزارع، ولم تجد يومًا طريقها إلى الكتاب المدرسي، في منهج متأصل ومتكامل
تلك السنوات الأولى شكّلتني أكثر مما أدركتُ حينها. كبرتُ أعرف، علمياً ،بلاد الغير أكثر مما أعرف بلادي، وكل ما عرفته عن أرضي لم يأتني من مقعد دراسي، بل مما توارثته من مجتمعي والأجيال السابقة
هذه هي الهوّة التي لا يراها أحد
وبين هذين الأمرين — تجذير التعليم، وتجذير المعرفة — تقع الهوّة التي أُمضي وقتي اليوم أحاول أن أفهمها وانسجها وأربطها
هذه ليست معضلة إماراتية خالصة. فكل ثقافةٍ على وجه الأرض تحمل في صدرها معرفةً أصيلة، تراكمت جيلًا بعد جيل، ونُقشت في لغتها وأرضها وممارساتها وذاكرتها الجماعية. وحين تحضّرت حياتنا، تحضّر معها تعليمنا، فأخذت مجتمعاتٌ بأسرها تستعير مناهج صيغت لأراضٍ غير أرضها، وتلك الاستعارة لم تأتِ بدون ثمن: جاءت بتهميش بطئ لعلوم الأرض الأصيلة التي كان جدير بنا أن نطورها لتواجه المستقبل كمعرفة متفردة، من ضمن إرثنا الثقافي والمعرفي والعلمي لمنهجية طورت من أبناء هذه الأرض، لأبناء هذه الأرض
وسؤالي البحثي الذي حركه ارتباطي بالإمارات، وتعزيزاً لثرائها المعرفي، هو ليس مشروعًا محليًا فحسب، بل تجلٍّ واحد لمنهجيةٍ إنسانية أوسع: كيف يبدو التعلّم حين يتجذّر في أرضه، وكيف نربطه بعلوم المستقبل، ليكون نواة لمنظومة حية متحركة تتحرك لِتُخرج علوما متفردة، منبتها خصوصية علوم الأرض القائمة عليها
كلما ابتعدتُ، علا نداء الوطن
بعد سنوات، تغربت، ووجدتُ نفسي أُربّي أبنائي في أرضٍ بعيدة، لا تنطق بلغتهم. أصبحوا في مجتمع صمتت فيه لغتهم الأم، وأصبحت أغرس قيمهم الإيمانية و موروثنا الثقافي باجتهاد فردي لاتشاركني فيه المدرسة ولا المجتمع. ووقع على عاتقي مسؤولية إحياء كل هذا بشكل مستمر وواضح
وفي خضمّ ذلك كله، لاحظتُ أمرًا، كلما ابتعدتُ عن الوطن، بتّ أشعر أني موصولةٌ به بشريانٍ نابض، يدفع بقوةٍ كلما اتسعت المسافة، وكأني أستمدّ من الوطن الأم، ومن لغتنا الأم، قوةً تشحذني بالهمة، متجهة إلى القلب عبر تلك المسافات الشاسعة. وسألتُ نفسي: لماذا تحمل أعمق الأشياء اسم الأم؟ اللغة أمّ، والوطن أمّ، والطبيعة أمّ، كأنّ العالم عرف دائمًا، بالفطرة قبل النظريات، أن الأم هي الحارسة الأولى، والناقلة الأولى لكل ما يستحق أن يُحفظ
كنتُ أحمل أمانةً: وهي أن أحفظ لأبنائي لغتهم وإيمانهم وأخلاقهم وانتماءهم. وكان عليّ أن أجد طريقًا أُكرّم به تلك الأمانة وأرعاها. ومن هذه القناعة، بعد سنواتٍ من تربيتهم في الغربة، اتخذتُ أنا وزوجي قرار العودة إلى الوطن، بينما كان أبناؤنا لا يزالون في عمرٍ فيه متسع أكبر لغرسٍ أعمق للقيم والهوية، حتى لا يبقى الوطن مكان للزيارات العابرة فقط. تخيّلتُ أن تلك العودة ستُسكِن بداخلي شيئًا، وأن ذلك الشوق الذي حملتُه كل تلك السنوات، سيهدأ أخيرًا وقد وقفنا على أرضنا. لكنه لم يهدأ، ليس تمامًا. كانت منظومات التعلّم من حول أبنائي حاضرة، بل متقنًة في جوانب كثيرة، غير أن أجزاءً منها كانت لا تزال سطحية، ولم أستطع أن أتجاهل ذلك. كان ثمة انفصالٌ بين عمق معارفنا، و المناهج المتاحة. فتجرّأتُ أن أتخيّل شيئًا مختلفًا
الأبواب التي بقيت موصدة، ولماذا واصلتُ الطرق
كانت لديّ رؤية، وكنت أحلم بمدارس تعرف أرضها كما تعرف مناهجها. تُعلّم الطفل أن يقرأ المكان قبل أن يحفظ عنه معلومة. تجعل من الوادي فصلًا دراسيًا لا رحلة ترفيهية، وتدعو حاملي المعرفة الأصيلة ، الجدة، والحرفي، والصياد، والحارث لأرضه، أن يُثرون المنظومة كناقلين للعلوم لا ضيوفًا.
أحلم بتعليم يُجيب عن السؤال الذي لم تُجب عنه مدرستي، ليس لأنها قصّرت، بل لأنها لم تكن تملك الأدوات. ليست المعضلة في مقدرتنا على أن نُعلّم بشكل جيد في هذا المكان، لقد استطعنا ذلك، بل في كيف يمكن نتعلّم من هذا المكان
جلستُ في اجتماعاتٍ كثيرة أشرح ما أؤمن به: تعليمًا متجذّرًا، حيًّا، نابعًا من الأصل لا مستوردًا، يصل العلوم الأصيلة بالمستقبل، ويصنع لمنهجنا خصوصيته الاستشرافية ورؤيته المستقبلية
طرقتُ الأبواب، لكن لم يُفتح أي منها. عندها وجدتُ نفسي أمام سؤال صعب: هل أخطأتُ في رؤيتي، أم أن عليّ أن أمضي في هذا العمل قبل أن تُفتح له الأبواب؟ اخترت أن أستمر، دون انتظار نتيجة أو اعتراف. كان في داخلي شيئا يدفعني إلى الإصرار، ويؤكد لي أن هذه الفكرة تستحق أن تُحمل إلى نهايتها.
Future Institute in Education, Edinburgh university ثم وجدتُ معهد المستقبل في جامعة إدنبرة
، وبرنامجًا يلتقي مع اهتمامي بعلوم المستقبل في التعليم. ومن هناك بدأتُ الرحلة، واستكملتُ متطلبات دراستي وبحثي بجهد فردي كامل، مؤمنةً بأن بعض الطُرق لا تُفتح لنا أولًا، بل نصنعها ونحن نمضي
ولا يعلم إلا الله كيف اسطاعت أمٌّ لثلاثة، تعمل وتبحث وتدرّب وتستشير وتربّي، كل هذا معًا. بكل واقعية سقطت مني أمور كثير ، ثم عدتُ فالتقطتها. وهذا المنشور يؤرّخ نهاية عامي الأول في البحث، فيما لا تزال الرحلة مستمرة
حين تأملتُ حصيلة العام السابق، أدركتُ أن كل الخيوط كانت تقود إلى سؤال واحد
أيّ تعليمٍ يُبقي المتعلّم متجذّرًا، ويُعِدّه في الوقت ذاته لغدٍ لم يأتِ بعد؟
من هنا بدأت فكرة «ملاذات المعرفة»: مساحات حيّة يتعلّم فيها الإنسان عبر المكان واللغة والبيئة والذاكرة والجماعة. لم تعد بالنسبة إليّ عنوان مشروع، بل نواة فلسفة أراها ضرورية حيثما انفصل التعلّم عن الأرض التي ينتمي إليها
أتجرّأ أن أحلم بهذا الواقع لا لأبنائي وحدهم، بل لكل طفلٍ يعبر طريقي. فقد أدركتُ أن الأم واللغة والأرض ليست أشياء منفصلة، بل نقطة التقاء، لمعنى واحداً
ربما بدأ هذا السؤال في رحلة الشاطئ، أو في حصة جغرافيا عند الوادي، أو في محاولاتي الأولى للتفكير بلغتنا العربية. بدأ السؤال مع فتاة لم تكن تعرف أنها تصوغ أحد أهم أسئلة حياتها، ثم تعلّمت أخيرًا أن تبني بابًا، بدل أن تنتظر أن يُفتح لها؛ لأبنائها، وللأجيال التي لم تولد بعد.
التعليم | الذاكرة | الوطن | الهوية | الأمومة